مبررات الفكرة الوطنيةمبررات الفكرة الوطنية

ظل السودان عبر التاريخ نموذج إنساني مشرف، تعاقبت فيه حضارات راقية شكلت وجدانه وثقافته ورسمه وصورته. حضارات ما قبل التاريخ، حضارة كرمة، كوش، نبتة، مروي، حضارة نوباتيا، المقرة، علوة، السلطنة الزرقاء، سلطنة دارفور، مملكة تقلي، المسبعات، مملكة البجة، الداجو، التنجور وغيرها.

كما ظل يتمتع بمورد بشري متفرد يتسم بوعي وذكاء ومنظومة قيم راقية، أهلته للمشاركة في التنمية والنمو الاقتصادي في الإقليم حولنا وفي أوربا والولايات المتحدة وغيرها من دول العالم.

ونمتلك في ذات الوقت موارد طبيعية ضخمة من الأراضي الزراعية والمعادن ومصادر الطاقة وأحجار الزينة وغيرها. فيما نتميز بموقع جيوستراتيجي غاية في الأهمية، وظلت تتوفر أمامنا فرص ضخمة على الصعيد الإقليمي والعالمي، ورغم كل ذلك ورغم مرور 63 سنة على الاستقلال، فحالنا لا يسر ولا يشبهنا.

ليس من المنطق أن تكون صادراتنا بعد 63 سنة  عبارة مواد خام تقليدية، وأن تكون بحجم صادرات شركة متوسطة، وليس من المنطق أن يكون هناك فقراء في السودان في ظل ما نملكه من ثروات، وليس من المقبول بأي حال من الأحوال أن يكون السودان دولة متسولة للإعانات والإغاثات.

نحن ظلنا عبر 63 سنة نملك كل شئ إلا الفكرة الوطنية، أغنياء في كل شئ عدا التفكير الاستراتيجي والتفكير الجمعي.

إن بناء وتشكيل مستقبل السودان لا يتوقف على تغيير وذهاب الأنظمة فقط، فقد حدثت ثورات وذهبت أنظمة عديدة واجهضت تلك الثورات، ليستمر التخلف والمعاناة.

وظل السودان أسيراً لممارسة سياسية تقليدية يغلب عليها غباشة الرؤى والصراع على كراسي السلطة وضعف المؤسسية التي قادت إلى ضعف التنمية وتفشي الفساد وسيادة أصحاب المصالح الضيقة، في وقت أصبحت تقوم فيه الممارسة السياسية في دول العالم على المؤسسية والإسناد المعرفي والإبداع، ممارسة يعلوا فيها الوطن والعلم والمصالح الوطنية على ما سواها. فالعبرة ليست في ذهاب النظام فقط وليس في تغيير الأشخاص فقط وإنما في ماهية النظام البديل؟ ما هي الفكرة البديلة؟.

وهناك فرق بين كيف ستكون حياتنا في المستقبل؟ وهذا يعني السير دون رؤية ويضعنا في إطار ردود الأفعال وهو ما ظللنا عليه طوال العقود الماضية، وكيف ينبغي أن تكون حياتنا في المستقبل؟ وهو ما نحلم ونسعى لتطبيقه في المستقبل وهو ما ظل مفقوداً.

في ظل الظروف والتعقيدات المحلية والإقليمية والخارجية فإن أكبر خطر  يواجه السودان حالياً هو  ولوج  المستقبل دون فكرة.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية استحالة تشكيل المستقبل دون إرادة، واستحالة تحقيق إرادة وطنية دون وجود غايات وأهداف وطنية تعبر عن غالب الشعب وتطلعاته، دون وجود فكرة وطنية تعبر عن الوجدان، دون حلم وطني. كما أثبتت التجارب الإنسانية أنه لا مستحيل مع إرادة الشعوب .. يكفينا تجارب العديد من الدول التي لا تملك ما نملك من موارد ومزايا لكنها عبرت من التردي إلى المجد والرفاهية، عبر وضوح الفكرة الذي قاد لبلورة  الإرادة والتحدي اللازم لتشكيل المستقبل، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة التي ارتفع دخلها القومي من 7 مليارات إلى 360 مليار دولار، ودخل الفرد من 425 إلى 80.000 دولار، خلال 25 عاماً.

لقد ظل السودان دون إرادة وطنية لعدم التوافق حول غايات وطنية منذ الاستقلال. وبالتالي ظللنا دون حلم وطني يجمعنا كسودانيين. فإذا استطعنا تحديد غايات تعبر عن الوجدان الوطني واستطعنا بلورة منظومة القيم والمرتكزات الأساسية التي تؤسس وتحمي ذلك، فإن قلوب السودانيين ستتعلق بتلك الغايات الوطنية والقيم وحينها سيبرز رد الفعل الطبيعي للشعب،  ببلورة الإرادة الوطنية.

الفكرة الوطنية : البُعد المفقود في السودان منذ 1956م:

في مطلع العام 1956 نال السودان استقلاله ، وفي الواقع ما جرى بعد ذلك لم يكن مجرد خروج للحاكم العام البريطاني وأركان حربه، ولم يكن مجرد مغادرة للجيش البريطاني، وإنما المعنى الدقيق الذي يعبر عن ذلك هو أن الفكرة البريطانية غادرت السودان. إلا أن الأمر الخطير في هذا المقام أن الفكرة الوطنية السودانية لم تحل محلها، اكتفينا فقط بهدف الاستقلال والجلاء وتم الإجماع حولهما، لكن وحتى هذه اللحظة لم يتم التوافق على فكرة وطنية تعبر عن حلم للسودانيين، فكرة تحافظ على الوحدة الجغرافية للسودان على الاتحاد الثقافي والوجداني للسودانيين، فكرة تقود لتوحيد المشاعر الوطنية وتحقيق الرضا الوطني. ظللنا أكثر من ستة عقود دون غايات وطنية متفق عليها وبالتالي دون إرادة، دون مسار استراتيجي يفضي نحو المستقبل.

إن امتلاك السودان لكل هذه المزايا والموارد الطبيعية الاستراتيجية في ظل عدم وجود فكرة وطنية ذات عمق استراتيجي، حولت هذه المزايا والموارد من فرص لتحقيق حلم وطني إلى مصادر للتهديد وضعت السودان في مسرح الصراع الاستراتيجي في كافة محاوره إلى أن تطور الأمر إلى بداية تفتيت الدولة السودانية جغرافياً وثقافياً ووجدانياً . وقاد إلى انشغال السودان بإطفاء الأزمات وبالتخطيط قصير الأجل دون وجود رابط فلسفي يحقق التكامل والترابط بين هذه الخطط القصيرة لإنجاز أهداف أكبر على الصعيد الاستراتيجي. في الوقت الذي تتوقف فيه عمليات تحقيق النهضة الطموحة على مدى قدرة الدولة في بناء تراكم على المدى الزمني البعيد مهما تعاقبت الحكومات.

نحن  نؤمن بأن بداية تشكيل المستقبل السوداني تبدأ بالتوافق الوجداني للسودانيين.

  • ونؤمن بأن المؤهل لحكم السودان هو من يمتلك الجدارة الأخلاقية والعلمية والمهنية.
  • كما نؤمن بأن السلطة الأولى بعد سلطة الشعب هي سلطة العلم والإبداع.
  • وقد آن الأوان لبلورة حلم سوداني يجمعنا، نؤسس عبره الإرادة والتحدي لتشكيل المستقبل السوداني.
  • لدينا عشرات الأحزاب دون فكر.
  • وهناك الكثير من الآمال والأحلام والتطلعات مشتتة في دواخل ملايين السودانيين، لكنها لا تجد الوعاء الذي يجمعها  ويربط بينها ويعبر عنها.
  • ولدينا فكر ومعرفة أنتجها علماء وخبراء ومبدعي السودان، لكنه دون آليات تعبر عنه.

والحل برأينا في هذه المرحلة المفصلية هو جمع تطلعات الناس وفكر العلماء في بوتقة واحدة من  خلال وجودنا نحن السودانيين داخل تيار فكري وطني، نجتمع من خلاله حول فكرة وطنية .. ليصبح للفكرة أرجل تمشي عليها وللآمال العريضة المعلقة في عقول وقلوب الملايين من السودانين آلية تحميها وتؤسس لها.


نحن نحتاج للتصويت لأفكار جديدة .. لسلوك جديد..  لممارسة جديدة ..