مفهوم الفكرة الوطنيةالفكرة الوطنية مفهـــــــوم يمكــن أن يشمــل عدد من المعاني الأساسية، أولها المصالح الوطنية. ماهـي المصالح الوطنية   (المصالح السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، الأمنية...)، وهي مصالح يجب أن تعبر عن مجمل الشعب، عن الدولة ككل وليس عن حكومة أو حزب أو جماعة ( ما ).

 كما تشمل الفكرة الوطنية منظومة القيم والمرتكزات والأفكار التي تؤسس للأوضاع المطلوبة لتحقيق هذه المصالح. فالفكرة الوطنية تحدد تصوراً عريضاً يبين كيف نحقق ذلك. فإذا كان أساس النهضة هو صياغة الإنسان، فماهي فكرتنا في هذا الجانب؟ أي ما هي فكرتنا في التربية والتعليم والثقافة. وإذا كان التعريف البسيط للاستراتيجية هو تشكيل المستقبل، أو هندسة المستقبل، فما هي فكرتنا في الهندسة الثقافية والروحية والبناء الوجداني والأخلاقي للأفراد؟ ما هي فكرتنا تجاه المهارات الحياتية؟ ما هي فكرتنا الاجتماعية؟ ما هي فكرتنا في الصحة؟ ما هي فكرتنا في مجال الشباب والرياضة؟ ما هي فكرتنا الاقتصادية؟ كيف نزيد دخلنا القومي ونوزعه بطريقة أكثر عدالة؟ كيف نحقق القدرات التنافسية للإنتاج الوطني؟ ما هي فكرتنا في إدارة مواردنا الطبيعية؟ كيف نؤسس لحقوق الأجيال القادمة؟.... إلخ.

كما أن الفكرة الوطنية تجيب على تساؤلات عديدة مثل: كيف نؤسس لسيادة نظام الدولة؟ (أي المنع المسبق لحدوث الفساد) وما يتبع ذلك من التعامل مع تعقيدات النفس البشرية التي تميل للهوى والفساد. كيف نؤسس لمسار استراتيجي للدولة يفضي لتحقيق المصالح الوطنية؟ كيف نحقق الرضا الوطني ونعزز القدرات التفاوضية للدولة على الساحة الدولية؟، كيف نؤسس لسيادة النظام والقانون والعلم؟ ما هو التوجه الاستراتيجي الخارجي الذي يؤسس للأوضاع الخارجية المطلوبة أو المواتية لتحقيق المصالح الوطنية وإدارة التنافس الاستراتيجي الدولي؟ كيف يتم تحقيق العدالة الاجتماعية أو الاقتصادية؟  وما هو الإسناد الثقافي المطلوب لتحقيق المصالح الوطنية؟.

الفكرة الوطنية بالمفهوم أعلاه تعني ماذا نريد أن نحقق كدولة وشعب. حيث تعبر الفكرة الوطنية عن الحلم النابع من الوجدان الوطني، فلا بد لأي شعب أن يكون له حلم يعبر عنه ويسعى لتحقيقه، مما يعني أهمية الفكر الوطني الداعم لتأسيس فكرة الدولة وثقافة الدولة وأهمية الحوار الوطني غير التقليدي الذي يفضي للتوافق حول هذه الفكرة.

إن بداية تشكيل المستقبل تبدأ بالتوافق الوجداني، وتبدأ بتعلق القلوب بغايات وحاجات محددة، فإذا استطعنا بلورة فكرة تعبر عن حاجات الناس، حينها تتشكل الإرادة، لأننا نعرف ماذا نريد، وبدون ذلك لا يمكن تشكيل إرادة.



الفكرة الوطنية : البُعد المفقود في السودان منذ 1956م:

في مطلع العام 1956 نال السودان استقلاله، وفي الواقع ما جرى بعد ذلك لم يكن مجرد خروج للحاكم العام البريطاني وأركان حربه ولم يكن مجرد مغادرة للجيش البريطاني، وإنما المعنى الدقيق الذي يعبر عن ذلك هو أن الفكرة البريطانية غادرت السودان، والخطير في الأمر أن الفكرة الوطنية السودانية لم تحل محلها، اكتفينا فقط بهدف الاستقلال والجلاء وتم الإجماع حولهما، لكن وحتى هذه اللحظة لم يتم التوافق على فكرة وطنية تعبر عن حلم للسودانيين، فكرة تحافظ على الوحدة الجغرافية للسودان وعلى الاتحاد الثقافي والوجداني للسودانيين، فكرة تقود لتوحيد المشاعر الوطنية وتحقيق الرضا الوطني.

لقد شاءت الأقدار أن ينعم السودان بمزايا استراتيجية هائلة وإرث حضاري متفرد وموقع استراتيجي بين القارة السمراء والإقليم العربي، قريباً من الأسواق الأوربية، وثروات طبيعية تتمثل في المخزون الاستراتيجي من مصادر الطاقة والمعادن الاستراتيجية والأراضي الزراعية الخصبة ومصادر المياه العذبة، في ظل أوضاع خارجية بالغة الأهمية تتمثل في العجز العالمي والإقليمي في الطاقة والغذاء والمعادن، وجميعها ظروف وعوامل كافية لتحويل السودان لقوة ذات اعتبار إقليمي وعالمي، لكن وبعد أكثر من ستة عقود لا زال السودان دون ذلك، بينما برزت خلال نصف هذه المدة دولاً أخرى لا تملك ما يملكه السودان من موارد ومزايا، وهو وضع لا يشبه السودان بأي حال من الأحوال، الشئ الذي يستدعي دراسة التعقيدات والعوامل التي أدت لذلك، خاصة وأن المرحلة القادمة يمكن أن تشكل فرصة لإحداث اختراق كبير للعبور بالسودان نحو آفاق المستقبل المنشود، وهذا أمر جدير بالبحث، البُعد الذي ظل مفقوداً في السودان منذ 1956م.

إن امتلاك السودان لكل هذه المزايا والموارد الطبيعية الاستراتيجية في ظل عدم وجود فكرة وطنية ذات عمق استراتيجي، وفي ظل ضعف مقومات القوة العلمية والسياسية والثقافية والاجتماعية، حولت هذه المزايا والموارد من فرص لتحقيق حلم وطني إلى مصادر للتهديد، ووضعت السودان في مسرح الصراع الاستراتيجي في كافة محاوره إلى أن تطور الأمر إلى بداية تفتيت الدولة السودانية جغرافياً وثقافياً ووجدانياً. 

ظللنا نتحدث عن مواردنا الطبيعية الضخمة لعقود من الزمان وأغفلنا الفكرة تجاه هذه الموارد، إن وزن مكونات السيارة من طراز مرسيدس من المعادن والبلاستيك وغيره، قد لا تتعدى ثلاثة أطنان لا تزيد قيمتها عن الألفي دولار، بينما قيمة نفس هذه السيارة يتعدى الثلاثين ألف دولار، فالفرق بين المبلغين هو قيمة الفكرة، قيمة المعرفة، قيمة التفكير الإبداعي، بمعنى أنه لا يمكن الحديث عن تشكيل المستقبل دون فكرة. 

فيما يلي بعض الأسباب التي أدت إلى تأخر السودان:

  1. عدم وجود فكرة وطنية متوافق عليها يمكن عبرها مواجهة الظروف والتعقيدات والتحديات الداخلية والخارجية بما يقود نحو تحقيق المصالح الوطنية، تجلى أهمها في إرتباك النشاط السياسي حيث لا زالت الدولة دون توافق حول الدستور أو نظام الحكم، الاستقطاب السياسي، وعدم التوافق حول المصالح الاستراتيجية للدولة طوال فترة ما بعد الاستقلال، عدم وضوح التوجه الخارجي، ارتباك اقتصادي جعل البلاد خلال خمسين عاماً تتجه في العديد من الوجهات المتناقضة من أقصى الشرق حيث الاشتراكية إلى أقصى الغرب حيث الرأسمالية انتهت بانهيار اقتصادي، ارتباك في النشاط الاجتماعي تجلى في ضعف التعليم وبداية لتفتيت النسيج الاجتماعي وتنامي للنعرات القبلية والجهوية.
     

  2. الوضع أعلاه تفاقم أكثر لعدم تحديد السودان لمصالحه الوطنية ومنظومة القيم والمرتكزات الاستراتيجية للدولة، وبغياب ذلك أصبحت الدولة تسير على غير هدى ودون إطار فلسفي يحقق التكامل والتناغم والتناسق للنشاط الوطني، ودون مرجعية يتم الاحتكام إليها.
     

  3. ضعف وفي بعض الأحيان عدم وجود آلية ترعى خطة الدولة، أي الجهة التي ترعى المسار الاستراتيجي وسعى الدولة نحو القوة الاستراتيجية الشاملة في المدى البعيد.
     

  4. عدم اعتماد الدولة مساراً استراتيجياً يفضي لتحقيق المصالح الاستراتيجية، في ظل ضعف أو غياب العقل القومي.
     

  5. غياب ثقافة خطة الدولة التي تعبر عن المصالح الاستراتيجية المطلوب تحقيقها على المدى البعيد.
     

  6. عدم توفر ثقافة خطة الوطن التي تفرق بين المصالح الاستراتيجية التي تعبر عنها خطة الدولة، وخطة الحكومة أو المصالح الحزبية.
     

  7. عدم توفر السلوك الوطني المناسب لتحقيق المصالح الاستراتيجية بما في ذلك السلوك السياسي الاستراتيجي الداعم لخطة الدولة وإدارة الصراع الاستراتيجي.
     

  8. الاستقواء بالأجنبي من قبل بعض الأحزاب المحلية والمنظمات.
     

  9. عدم وجود فكر استراتيجي يناسب التحديات العالمية ويمكّن من إدارة التنافس الدولي والصراع.
     

  10. ضعف الفكر السياسي الاستراتيجي السوداني وضعف الوعي السياسي والإدراك الاستراتيجي وضعف الممارسة الديمقراطية وسلبية السلوك السياسي الذي لا يفرق بين الصراع  الحزبي وتهديد الدولة.
     

  11. الخلل في الانتماء الوطني وتباين المشاعر الوطنية الناجم عن ضعف الفكر الوطني المساند لعمليات إدارة الدولة، وسوء تطبيق بعض التشريعات، وتسييس الخدمة العامة، وعدم توازن التنمية، وتراجع الولاء الوطني أمام الولاءات الجزئية الأخرى، وتراجع الفكرة الوطنية وتراجع مفهوم الدولة كإطار للعمل السياسي. ضعف ترتيبات المؤسسية في ظل ضعف النفس البشرية، تزايد الاستقطاب الوطني الذي وصل مؤخراً إلى التأثير السلبي على المشاعر الوطنية وأدى لتأجيج الإحساس بالظلم بين المواطنين وأن تفاقم ذلك سيعقد عمليات التحكم والسيطرة على الدولة تعقيد وينذر بتفتيت البلاد في وقت يتوجه في العالم نحو الاستقواء والتكتل الإقليمي.  
     

  12. إتمام معظم عمليات الوفاق الوطني بين القوى السياسية خلال الفترة الماضية بغرض تقاسم السلطة وتحقيق أجندة حزبية أو شخصية ضيقة.

  13. عدم وجود منهج وطني متفق عليه حول التخطيط الاستراتيجي القومي وتنفيذ الاستراتيجية.

  14. الوضع أعلاه قاد إلى انشغال السودان بإطفاء الأزمات وبالتخطيط قصير الأجل دون وجود رابط فلسفي يحقق التكامل والترابط بين هذه الخطط القصيرة لإنجاز أهداف أكبر على الصعيد الاستراتيجي، في الوقت الذي تتوقف فيه عمليات تحقيق النهضة الطموحة على مدى قدرة الدولة في بناء تراكم على المدى الزمني البعيد مهما تعاقبت الحكومات.

  15. كل ذلك مقابل إحكام القوى الكبرى سيطرتها على  آليات النظام الدولي والإقليمي مع وجود مصالح استراتيجية لها في السودان وضعف إمكانية تقديم دعم من منظور استراتيجي من الدول الإفريقية والعربية والإسلامية للسودان، تشير إلى الهوة الواسعة بين مستوى القوة السياسية في السودان وقوة الآخرين في البيئة الدولية،  وهو ما يفتح المجال واسعاً لتهديد السودان، الشئ الذي يشير لأهمية استيفاء ترتيبات استراتيجية للتعامل مع المرحلة القادمة، هذه الترتيبات هي التي تحدد أن يكون السودان أو لا يكون.