السلطة العلميةالسلطة العلمية  

"هذه دعوة لعلماء وخبراء السودان للإضطلاع بدورهم في التعامل مع تحديات الواقع وتشكيل مستقبل السودان وقيادة التغيير"  

                                                              

ظل السودان يعاني من الممارسة السياسية التقليدية طوال سبعة عقود من الزمان، ولعل هذا مقروناً بغياب الرؤية الوطنية المتفق عليها هو السبب الرئيس لعدم بلوغ السودان للمكانة التي يستحقها والتي تتناسب مع تاريخه ومورده البشري وثقافته وموارده الطبيعية وموقعه الجغرافي. وهناك معادلة بسيطة تفيد بأنه لا يجب أن نتوقع تغيرا في النتائج إذا لم نحدث تغيرا في المدخلات والعمليات. وبالتالي نحن في حاجة ماسة لتغيير طريقة تفكيرنا، لتغيير المدخلات والعمليات حتى نؤسس لنهضة السودان كدولة يتمتع شعبها بالرفاهية والتقدم. ورجوعاً للتجربة الإنسانية خلال العقود السبعة الماضية، فإننا في حاجة لتأسيس ممارسة سياسية تقوم على مصلحة الوطن والمواطن .. والأخلاق والقيم، والعلم والإبداع.

يمكن أن نسميها  ديمقراطية الأخلاق والمعرفة والإبداع.

مرتكزها الأساسي هو إنسان السودان.

آن الأوان لكي تتولى السلطة العلمية السودانية دورها في الساحة الوطنية.

نقطة القوة الأولى للسودان

كثير من الناس عندما يتحدثون عن السودان يشيرون إلى ثراء موارده  وتميز موقعه الجغرافي كأهم نقاط قوة للدولة، لكن في الواقع فإن نقطة القوة الأولى للسودان هي مورده البشري الذي أثبت جدارته في مختلف أرجاء العالم وتبوأ مواقع مرموقة في ساحات العلم والخبرة.

عبر تاريخنا الحديث ظللنا نتحدث عن ثلاث سلطات، السلطة السياسية والتشريعية والقضائية، بالإضافة إلى الإعلام كسلطة رابعة، لكن غاب مصطلح السلطة العلمية. لقد بات من البديهيات ارتباط تحقيق التنمية الشاملة وامتلاك القوة الاستراتيجية للدولة بالإنتاج العلمي. ولهذا كان طبيعياً أن نرى ذلك الارتباط من خلال المعلومات المتاحة عن تطور الدول وعن جهودها في الإنتاج العلمي، مثال لذلك الولايات المتحدة وأوربا واليابان، وهي دول لا يختلف أحد في ما حققته من نهضة ومن قوة استراتيجية شاملة، حيث بلغت نسبة الإنفاق على البحث العلمي إلى إجمالي الدخل القومي، 3.5 % في المتوسط، بينما بلغ الصرف على البحث العلمي في إفريقيا حوالي 1 بليون دولار وفي الدول العربية حوالي 2 بليون، بنسبة تراوحت بين 0.1 % – 0.2 % فقط. كما بلغ عدد الباحثين في الولايات المتحدة حوالي 400.000 باحث، وفي أوربا 180.000، ولعل في هذا مؤشر لارتباط الإنتاج العلمي بامتلاك القوة وتحقيق النهضة.  

وقد  أصبح مفهوماً عند حساب قوى الدول، معرفة أوضاع الإنتاج العلمي في الدول المعينة بما يشمل ذلك من أعداد الباحثين والمبالغ التي تنفق على البحث العلمي والبنيات التحتية للإنتاج العلمي.. الخ. وفي هذا إقرار بأثر الإنتاج العلمي في امتلاك القوة الاستراتيجية الشاملة، يكفي وضع ألمانيا التي تحولت من الضعف إلى قوة عالمية بفضلٍ كبير وأساس للقوة العلمية.

إن مجرد امتلاك الدولة لموارد طبيعية كبيرة لا يكفي، فالاستفادة من ثروة طبيعية كالنباتات الطبية مثلا لا يكفي إذا لم تستند إلى بحوث علمية تصنع منها فرصة مبتكرة تعالج قضية أو مشكلة عالمية أو توفر خدمات جديدة.

ابتكار الحلول للقضايا الاستراتيجية والتحديات العالمية

إن تحقيق الغايات الوطنية الطموحة يعني الحاجة باستمرار ليس لابتكار حلول مناسبة فحسب وإنما كذلك مراعاة التحديات العالمية، فبروز قيود عالمية في الأنماط الاستهلاكية العالمية تقيد أي أفكار لمنتجات جديدة تستهدف الأسواق العالمية، وبروز العولمة الاقتصادية التي تفرض مستوى معيناً من التكلفة والجودة، تجعل الإنتاج العلمي يتوجه لعلاج ذلك، وهكذا التعقيدات الاجتماعية والسياسية ..  إلخ.  

علاج نقاط الضعف الوطنية والتعامل مع المهددات الوطنية

استراتيجية الإنتاج العلمي تهتم ضمن أولوياتها الأساسية بعلاج نقاط الضعف والتعامل مع المهددات الوطنية، وهذا يعني أن العملية البحثية تهتم بدراسة كافة العقبات الداخلية والخارجية التي تحول دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وتتعدى ذلك نحو التأسيس لأوضاع مستقبلية أكثر تعقيداً، ولعل غياب هذه الاستراتيجية ساهم في استمرار نقاط ضعفنا دون حلول خلال العقود الماضية.  

تعزيز نقاط القوة

تهتم استراتيجية الإنتاج العلمي تهتم بتعزيز نقاط القوة للدولة وتنميتها وتطويرها ومن أهم المجالات في هذا الخصوص هو الاستغلال الأمثل للموارد وتنميتها وتنويعها، فالاستغلال الأمثل للموارد يعد من أهم التحديات للدولة، والعكس يعني إهدار الموارد وتبديدها وتعريض مصالح الأجيال القادمة للخطر، وهذا يعني أن تحقيق التنمية المتوازنة وما تعنيه من تحقيق تنمية توزع المشروعات بعدالة بين أطراف الدولة وتراعي البيئة وتحفظ حق الأجيال القادمة، يتعذر تحقيقه دون سند علمي. ليس ذلك فقط وإنما تهتم استراتيجية الإنتاج العلمي بتنمية الموارد الوطنية وتنويعها، ولا يقتصر دور الإنتاج العلمي في الاستغلال الأمثل للموارد المادية فقط وإنما يشمل كذلك الموارد البشرية والمعلوماتية.  

ابتكار الفرص

الصراع والتنافس المحموم حول المصالح في ظل تعقيدات الأسواق العالمية، تحتم ليس المواكبة فحسب بل والمبادرة بابتكار فرص جديدة، وهذا يعني أن البحث العلمي والإنتاج العلمي عموماً يساهم في صناعة الفرص الجديدة للدولة.  

إن الإنتاج العلمي ساهم بوضوح في صناعة الفرص الجديدة للدول، سواء كان ذلك في شكل مخترعات أو أفكار معينة.. وكان نتيجة لذلك زيادة الدخل القومي لتلك الدول وزيادة فرص العمل. من الأمثلة على ذلك جملة الاختراعات المسجلة في كوريا الجنوبية والتي بلغت حوالي 27.000 اختراع، ساهمت في ما آلت اليه الدولة خلال العقدين الماضيين، بينما نجد العكس في الدول النامية التي لا زالت صادراتها بعد نصف قرن من الاستقلال تقليدية .  

القدرات والمزايا التنافسية العالمية

من المتفق عليه أن امتلاك المزايا والقدرات التنافسية يشكلان أهم مفاتيح تحقيق المصالح الاستراتيجية، هذا يعني الدخول في تفاصيل دقيقة جداً حتى نتمكن من تحقيق ذلك، وهو ما جعله ضمن أجندة استراتيجية الإنتاج العلمي، فتحقيق المزايا النسبية قد يعني تحسين الجودة، وهو يحتاج لبحث علمي، وقد يتعلق بخفض التكلفة وهذا يحتاج للبحث، وقد تفرض القيود الدولية شروطاً ومواصفات معينة يستلزم تحقيقها ابتكار حلول جديدة، ومن الأمثلة على ذلك ما حققته اليابان من قدرات تنافسية شملت الجودة والتكلفة، إن التدبر في حيثياتها يشير إلى عمق العملية البحثية التي وقفت خلفها، بل النظر إلى مشهد الإنجاز الياباني والأمريكي والألماني.. الخ لا يمكن أن يكتمل دون توضيح ضخامة عمليات البحث العلمي في تلك الدول.  

إن تزايد التعقيدات المتعلقة بتحقيق المزايا النسبية تعني مزيداً من البحث العلمي، وهكذا لا يمكن تخيل إدارة صراع وحوار المصالح دون سند علمي، وبوضوح أكثر فإن غياب السند العلمي يعني تهديد الأمن القومي.